حيدر حب الله

156

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

الأخير في القرن الرابع الهجري لفصل الكلام عن الفقه ، كما يقول آدم متز ( 1917 م ) « 1 » ، ليؤسّسوا المذاهب الكلاميّة المستقلّة عن الفقهاء . وإذا رجعنا إلى « أصول الكافي » وإلى « التوحيد » وغيرهما لم نجد ظاهرة متمايزة عن المصنفات الحديثية الأخرى التي عنيت بعلوم النقل كالفقه والأخلاق والمواعظ و . . . مثل « فروع الكافي » و « كتاب من لا يحضره الفقيه » و « الخصال » و « المواعظ » و . . . إنّها روح واحدة تجري في المصنفات كلّها والعلوم بأسرها ، وهذه الروح هي روح النص واستحضاره ، ومن ثم - والأهمّ - التسليم وعدم الجدل ، حتّى أن الصدوق في حديثه عن الجدل والمراء يؤكّد على المنع عنهما ، لكنّه عندما يجيز ذلك من باب الضرورة التي تفرض مجادلة المخالفين للمذهب الشيعي يقول : « فأمّا الاحتجاج على المخالفين بقول الأئمة أو بمعاني كلامهم لمن يحسن الكلام فمطلق ، على من لا يحسن فمحظور محرّم » « 2 » ، فهذا الكلام تفوح منه رائحة الحظر على العقل من أن يسعى في البحث العقلي الكلامي ، ويحصر الكلام بإيراد نصوص أئمة أهل البيت عليهم السّلام عينها ، كما فعله هو في « التوحيد » ، أو إيراد روحها ومعناها المطابق بعبارة أخرى ، كما فعله هو في « الاعتقادات » ، وفعله أيضا على الصعيد الفقهي في « الهداية » و « المقنع » . وترشدنا نصوص المفيد ( 413 ه ) في ردّه على الصدوق إلى وجود منهجين في الوسط الشيعي كما ذكرناه من قبل ، وسيأتي عند الحديث عن التيار الأخباري ، فمدرسة الكلام المتمثّلة بالمفيد والمرتضى و . . . كان يخالفها عن مدرسة الحديث منهج التسليم للنص أو إعمال العقل فيه ، وهو نفس الخلاف الذي كان بين المعتزلة وأهل السنّة سيما الحنابلة ، فعند ما يناقش المفيد الصدوق في مسألة الإرادة والمشيئة يقول : « الذي ذكره الشيخ أبو جعفر رحمة اللّه في هذا الباب لا يتحصّل ، ومعانيه تختلف وتتناقض ، والسّبب في ذلك أنّه عمل على ظواهر الأحاديث المختلفة ، ولم يكن ممّن يرى النظر ، فيميز بين الحقّ منها والباطل ، ويعمل على ما يوجب الحجّة ، ومن عوّل في مذهبه على الأقاويل المختلفة وتقليد الرواة كانت حاله في الضعف ما وصفناه » « 3 » . إنّه نصّ يدل على ذاك التيار النصي التسليمي المذعن للمنقول ، وفي قوله : « تقليد الرواة » إشارة واضحة لذلك ، وأنّ مدرسة الحديث ما كانت تنظر في محتويات النصوص أو تمارس نقدا مركّزا فيها .

--> ( 1 ) - آدم متز ، الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 : 351 . ( 2 ) - الصدوق ، الاعتقادات : 43 . ( 3 ) - المفيد ، تصحيح اعتقادات الإمامية : 49 ؛ وحول نزعة التقليد والتسليم عند المحدّثين راجع : الرسالة العددية للمرتضى ، رسائل الشريف المرتضى 2 : 18 .